الشيخ علي المشكيني
318
رسائل قرآنى
القرآن ، كقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً « 1 » . وأخرى بعضه ، كقوله تعالى : وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ ؛ فصارت النتيجة أنّ القرآن كلّه محكم ، وأنّه بعضه محكم ، وأنّ القرآن كلّه متشابه ، وأنّه بعضه متشابه ، وأنّ القرآن كلّه محكم وكلّه متشابه . فكيف التوفيق ؟ وحاصل الجواب : أمّا كون جميعه محكماً : فلا إشكال في أنّه كذلك عند اللَّه تعالى ، وعند من خوطب بالقرآن وأهل بيته عليهم السلام ، وعند عدّة من الملائكة كجبرئيل وإسرافيل ، وعند عدّة من علماء الدين المتمسّكين بالثقل الأكبر والأصغر ؛ فتوصيف الجميع بالإحكام إضافيّ بالنسبة إليهم . وأمّا كون البعض محكماً خاصّة : فهو عند عامّة العارفين بمفاهيمه في الجملة ؛ فإنّ بعض الآيات محكم عندهم ، وبعضها متشابه غير محكم ؛ فالجميع محكم عند بعض ، والبعض خاصّة محكم عند آخرين ؛ فلا إشكال . ويمكن كون توصيف الجميع بالإحكام تغليباً ؛ لكون أكثر الكتاب من قبيل المحكمات . وأمّا اتّصاف الجميع بالتشابه : فلأنّك عرفت أنّ للتشابه معنيين ، فجميع الكتاب متشابه بالمعنى الثاني ، وبعضه خاصّة متشابه بالمعنى الأوّل . ومنه يظهر وجه اتّصاف الجميع بالإحكام والمتشابه كليهما . ثمّ إنّ كلمة المحكم والمتشابه وقعتا بنحو الاجتماع والافتراق في آيات : منها : قوله تعالى : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ « 2 » . والمعنى : أحكمت آياته من حيث اللفظ والمعنى في مقام التكوين والخلق والنزول من مقام علم اللَّه الأزلي إلى مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ ووقوعه بمرأى من الملائكة بحيث لم يكد يرد عليه نقص ونقض وخدشة من جهة لفظه ، وفساد وتناقض وتعارض وبطلان ودحض في الحجّة ، وكذب في الأخبار ، وفساد في الأحكام من جهة معانيه ، ثمّ فصّلت في النزول إلى قلب النبيّ الأعظم في مدّة سنين وأعوام ، فنزلت سورة سوره ، وآية آية ، فحصل فيها
--> ( 1 ) . الزمر ( 39 ) : 23 . ( 2 ) . هود ( 11 ) : 1 .